غزة / معتز شاهين
وسط تداعيات الحرب الأخيرة على غزة، برز تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع كخطوة انتقالية تهدف إلى معالجة الأزمة الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته تعكس محدودية القدرة على إحداث تغييرات جذرية في الواقع السياسي.
ويصف محللون اللجنة بأنها ذات صلاحيات محدودة ومهام وظيفية بحتة، مشيرين إلى أن الإعلان عنها يحمل رمزية سياسية لتثبيت وقف الحرب، لكنه لا يضمن قدرتها على إدارة الملفات الكبرى، خصوصًا في ظل القيود السياسية والأمنية المفروضة على القطاع واحتمالات عرقلة الاحتلال لعملها.
ويؤكد هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أن نجاح اللجنة مرهون بالدعم الدولي والضغط السياسي الخارجي، وخصوصًا الأميركي، الذي قد يسهم في تفكيك العقبات الإسرائيلية أمام عملها، محذرين من وجود تحديات عدة تواجه اللجنة في مراحلها الأولى.
وبدأت "لجنة التكنوقراط" الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، برئاسة المفوض العام علي شعث، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف "مجلس السلام".
ووفقًا لبيان صادر عن الاجتماع، وصف شعث اللقاء بأنه "لحظة محورية في جهودنا الجماعية لتحويل فصل مأساوي إلى بداية جديدة"، مشيرًا إلى أن اللجنة "أنشأها الفلسطينيون للفلسطينيين".
ومع ذلك، كانت لإسرائيل حق النقض الفعلي على أي عضو في اللجنة، ورفضت السماح بانضمام أي شخص يرتبط بعلاقات وثيقة مع حماس في غزة أو السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
ووقع شعث على بيان مهمة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، الذي يُلزمها بـ تحقيق الأمن، وإعادة الخدمات الأساسية، وبناء مجتمع قائم على السلام والديمقراطية والعدالة. وتضم اللجنة ما لا يقل عن 12 عضوًا، لكل منهم ملف محدد لإدارة القطاع، يشمل الصحة والإسكان والخدمات الأساسية الأخرى.
"مهام وظيفية"
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن اللجنة ذات صلاحيات محدودة ومهام وظيفية بحتة، ولا تمتلك القدرة الكاملة على إحداث تغيير جذري في الواقع، رغم أهميتها كخطوة انتقالية بعد الحرب.
وأوضح أبو رحمة، خلال حديثه مع "الاستقلال" أمس الأحد، أن الإعلان عن اللجنة يأتي في إطار المرحلة الثانية بعد الحرب، بما يحمل دلالة سياسية لتثبيت وقف الحرب على غزة، لكنه لا يضمن نجاحها في إدارة الملفات الكبرى، خاصة في ظل القيود السياسية والأمنية المفروضة على القطاع.
وأشار إلى أن اختيار أعضاء اللجنة تم وفق معايير فنية وأكاديمية وخبرات مهنية، بعيدًا عن الانتماءات الفصائلية، مؤكدًا أن هذه الخطوة تعكس قدرة الفلسطينيين على إنتاج قيادة وطنية خارج الإطار التنظيمي التقليدي، لكنها في الوقت ذاته لا تعالج جوهر الأزمة السياسية في القطاع.
وحذر أبو رحمة من أن إسرائيل ستواصل سياسة العرقلة والتضييق، مؤكّدًا أن الاحتلال يراهن على إحباط السكان ودفعهم نحو الهجرة القسرية. وأضاف أن نجاح اللجنة مرهون بـ حجم الضغوط الأمريكية والدولية، وإلا ستظل تحت تأثير القيود الإسرائيلية على المعابر والخدمات.
وفيما يتعلق بالمخاطر السياسية، استبعد حدوث صدام مباشر بين اللجنة والاحتلال، لكنه شدد على أن اللجنة تعمل ضمن مرجعية سياسية محددة، تتمثل في الإدارة التنفيذية بقيادة نيكولا ملادينوف، المرتبطة بمجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يقيّد استقلالية اللجنة ويحد من قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية حقيقية.
وأكد أبو رحمة أن نجاح اللجنة لا يعتمد فقط على كفاءتها الفنية، بل يتطلب غطاءً سياسيًا وطنيًا وضغطًا دوليًا حقيقيًا، وإلا ستبقى مجرد إطار إداري مؤقت لا يرقى إلى مستوى تطلعات الشعب الفلسطيني في غزة.
نجاح مشروط
بدورها، اعتبرت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة يندرج ضمن الجهود الأميركية والدولية لمعالجة الأزمة الإنسانية، مؤكدة أن اللجنة مهنية ومؤقتة ولا تمتلك صلاحيات سياسية أو عسكرية.
وأضافت عودة، في حديثها مع "الاستقلال"، أن دور اللجنة قد يقتصر على تخفيف الأزمة الإنسانية في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والمساكن المؤقتة، مع التأكيد على أن نجاحها يعتمد بشكل كبير على تعاون الاحتلال وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية.
وحذرت من أن اللجنة قد تواجه في مراحلها الأولى تحديات عدة، أبرزها عرقلة الاحتلال لدخول أعضائها، واستمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات والكرفانات والأدوية، وعدم الاتفاق على إدارة الملف الأمني بين عناصر الأمن التابعة لحكومة حماس ومسؤولي اللجنة، بالإضافة إلى صعوبة استيعاب موظفي الحكومة وتغطية رواتبهم.
وأشارت عودة إلى أن اللجنة قد تتجاوز العقبات الإسرائيلية بدعم أميركي ودولي، موضحة أن رئيس المجلس التنفيذي لأعضاء لجنة السلام قد يلعب دورًا حيويًا في تفكيك العقبات بالتعاون مع مسؤولين أميركيين مثل ويتكوف وكوشنر، مع احتمال إقناع الجانب الإسرائيلي بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
"لجنة التكنوقراط"... إدارة مؤقتة تواجه عقبات سياسية وأمنية كبيرة
تقارير وحوارات


التعليقات : 0